أحمد فال بن الدين ?
يلاحظ المراقب للشأن السياسي الموريتاني هذه الأيام، عجز طبقة السياسيين أو العسكريين "القدامى" - ممن يديرون دفة الحكم اليوم بطريقة مباشرة أوغير مباشرة - عن فهم الواقع السياسي والإيديولوجي الحالي والتعاطي معه بذهنية وثقافة الستينات والسبعينات، ولعل هذا العجز وأسبابه يمكن رصد جانب منها في النقاط التالية.
- ورثت طبقة اللاعبين الكبار الاستعمار بعد رحيله ومارست السياسية في ظرف كان المد فيه للتيارات القومية واليسارية والتيارات المتغربة الأخرى، وكان الصوت الأندى حينها هو ذلك الصوت الثائر على "الإسلامي" و"القديم" عموما بوصفه هو السبب وراء كل المآسي التي تتخبط فيها الشعوب. وهكذا استقرت هذه الذهنية مبكرا في نفوس هذه الطبقة: ثقافة درسوها في مدارس ورثت عن المستعمر، وسياسة مارسوها بعد ذلك، وذهنية وطريقة في التفكير مردوا عليها.
- التحق زعماء هذه الطبقة في وقت مبكر بمكاتبهم وثكناتهم وانطووا على " طبقتهم" المشاكلة لهم في الفكر والأداء ولم تسمح لهم طبيعة العمل ومشاغله، والبيئة وفوقيتها، والتكوين وصرامته، بمراقبة التغيرات الاجتماعية والسياسية المتسارعة التي كانت تطبع الساحة التي يقفون عليها ويحكمونها بطريقة "فوقية". فطوال هذه الفترة مثلا لم يحتكوا عن قرب بزعماء التيارات التي طرأت للساحة وإنما كانت كل معلوماتهم عنها تنحصر في "التقارير" الاستخباراتية التي تصلهم في مكاتبهم وبحسب مسؤلياتهم، مماولد لديهم مع مرور الأيام نزعة "توجسية" من هذه التيارات ومن زعمائها ومردوا على النظر إليها من مقياس "الأمني" و"الاستخباراتي".
وبعد أن وجد هؤلاء أنفسهم ذات يوم خارج ثكناتهم أو مكاتبهم وبمسؤوليات جديدة، ووجها لوجه مع هذا"الواقع" الذي تغير في غفلة منهم، وقعوا في مأزق في التعاطي معه واتضح عجزهم عن تجاوز" الأنماط" المزيفة التي بنتها الأنظمة السالفة والتي كانوا جزءا منها، ولم يستطيعوا الانفكاك والتحرر من ثقافة " محاضر الشرطة" وتقارير المخابرات التي كانت هي نافذتهم الوحيدة على هذه التيارات، بل ظلت تلك المحاضر تشكل ذهنيتم في التعاطي مع هذه التيارات التي لم تكن بنفس الحجم والواقعية والحضور الذي عهدوه أيم كانوا في زمن التلقي !
- ولعل أقرب مثال على عجز هذه الطبقة عن فهم "الوقع" المعاصر واستعياب إملاءاته، هو طريقة تعاطيها مع قضية "ممارسة الإسلاميين" الوسطيين للسياسة وانفرادهم بحزب سياسي يعبر عن طموحهم وطموح جماهيرهم. فرغم أن الإسلاميين دخلوا الساحة السياسية وبرهنوا على أنهم من أصدق القوى فيها ومن أنظفها وأكثرها نشاطا وانتشارا في جميع الميادين- بشهادة الغربيين و بين يدي الآن تقرير "كارنجي" الأخير- إلا أن هذه الطبقة لا زالت متكلسة يزعجها التغير الذي حصل في "غيابها العاجي" ويؤسفها رؤية الفكرة التي شبت عليها وهي تقترب من الأفول. لكن هذه الطبقة بجب أن تفهم بأن الموقع الذي تد ير منه شؤون البلد اليوم يختلف عنه بالأمس، فالآمال المعلقة عليها عراض، والواقع لا يمكن تجاهله ومصير من يتجاهل إرادة مواطنيه حاضر في الأذهان والذاكرة ملأى بقصص مصارع المستبدين.
- على هذه الطبقة أن تتذكر أن البركان الذي أطار ولد الطايع، إنما هو جهله بالواقع ومحاولة تجاوزه لطبقات عريضة من شعبه. وليتذكر الجميع أن هتاف الجماهير ظهر الثالث من أغسطس لم يكن بدافع "الحب" لقادة لم تتبين طبيعة أفعالهم حينها، وإنما كان بدافع "البغض" لنظام استبد وحاول تحييد خيرة أبناء شعبه!
فهل ستستوعب "طبقة اشوابين" من السياسيين التغيرات التي حصلت، ويستجيبون لسنن الكون و وإملاءات الواقع، أم أن " النمطية" و"الروتين" بكثافتهما سيحولان دون ذلك؟؟
ahmed_dine@hotmail.com
نقلا عن يومية السراج