الطيب بوعزة ?
ثمة انقلاب جذري بدأ يرتسم بوضوح في الثقافة الغربية منذ نهاية القرن التاسع عشر، انقلاب في تحديد ماهية الكائن الإنساني مع تحول كبير في تقييم أبعاده وقدراته المعرفية والقيمية.
إنه تحول جذري استوى الآن مفرزا نمطا ثقافيا أخذ في التمدد، والهيمنة على مختلف الشعوب بفعل ثورة تقنية وسائط الاتصال.
وبسبب ذلك يغدو تناول نمط الثقافة الغربية بالتحليل والنقد ليس مندوبا فحسب ولا من باب الترف الذهني، بل هو أمر يرتقي إلى مرتبة الوجوب.
فما هي محددات رؤية الكائن الإنساني التي بلورتها الثقافة الغربية؟ وما هي معالم الانقلاب الذي أنجزته في لحظتها المعاصرة؟
إذا كانت الفلسفة الغربية منذ لحظتها الأفلاطونية والأرسطية قد حددت الكائن الإنساني بوصفه كائنا عاقلا، وإذا كانت الأديان في اتجاهها العام قد أعلت من شأن الوعي أو العقل واعتبرته مناط التكليف، وإذا كانت الأنساق القانونية والأعراف المجتمعية قد حددت العقل كأساس المسؤولية والجزاء، وإذا كانت فلسفة الحداثة في لحظة تأسيسها الديكارتية، وفيما تلا تلك اللحظة من توجهات عقلانية، قد أكدت على أن الوعي/العقل أهم محدد للكائن الإنساني، فإن الفكر الفلسفي المعاصر سينقلب على هذا التصور لا في اتجاه إعادة الاعتبار للأبعاد اللاعقلية فقط، بل في اتجاه استنزال العقل من مقامه السابق وتحويله إلى مجرد كينونة هامشية تهيمن عليها قوى لاشعورية أو غريزية.
صحيح أن الحداثة الغربية بتسييدها للعقل كانت مدخولة بأوهام العقلنة الأداتية حتى أنها انتهت إلى تأليه العقل لا استعماله فقط، إذ جعلت منه صنما ولم تجعل منه مجرد مرجعية معرفية يصدر عنها التفكير.
لكن النقد ما بعد الحداثي في المقابل أنجز قلبا في القيم والمعايير دون استنقاذ الوعي الفلسفي الغربي من مزلق التوثين، فهو لم يفعل سوى استبدال وثن بآخر، حيث أن التأليه الذي خلع على العقل في فلسفة الحداثة نجده حاضرا في فلسفة ما بعد الحداثة، لكنه يلف أبعادا وجودية أخرى غير العقل.
وقد أصبح الوثن الجديد هو شروط الإنتاج مع ماركس وألتوسير، أو اللاشعور مع فرويد، أو الغريزة مع نيتشه، أو النسق اللساني مع رولان بارت..
أما فيما يتعلق بالرؤية الأنثروبولوجية (أي النظرة إلى الإنسان) فنجد فكر ما بعد الحداثة قد أنجز قلبا دلاليا جذريا في معنى الكائن الإنساني.
إذا كان أرسطو يحدد الإنسان بوصفه حيوانا عاقلا، فإن الفكر الفلسفي المعاصر يكاد يقف في تحديده عند وسم الحيوانية، حيث يعرف الإنسان بكونه "حيوانا" هكذا فقط دونما إضافة نوعية.