منذ عدة أيام وساحتنا الإعلامية تشهد تداعيات قضية الأمة خدامه منت زيد التي كادت أن تفلت من أغلال الاسترقاق التقليدي. نعم لو كان تم لها ما حاولت عند هروبها من أسيادها لكانت رفعت عنها إلى حد ما ممارسات يطبعها عهد الظلمات كتشغيلها وهي في سن الطفولة وبدون أجرة، ضربها وشتمها وإساءة معاملتها، فصلها عن أمها حيث هي في انواكشوط مع أسيادها وأمها في "حاس مشكور" (ولاية اترارزة)، حرمانها من التعلم وهي في سن يافعة (14 سنة) مع أنها مهددة بالحمل من دون زواج (كابنة أختها أمباركة التي هي في نفس البيت مع أسيادها) هذا مع أن زواج وحمل وإنجاب الفتيات القاصرات يعد انتهاكا سافرا لحقوق الطفل و المرأة. لكن وا أسفاه عليك يا خدامة وعلى أمثالك الكثر الذين ما زالوا يئنون تحت وطأة النظام العبودي اللإنساني البشع فلقد أطبقت عليك طرفي ماكنة لا قبل لك بمقاومتها وهي ما زالت جاهزة وفعالة لإخفات كل صراخ يحاول خرق صمت الرقيق المطبق والتاريخي، ولإجهاض كل مشروع قانوني أو اقتصادي أُلهمنا إياه بعدوى من الخارج (دون أية إرادة أو قناعة منا) إن يكن يحمل في طياته أدنى إشارة إلى الرفع من شأن الرقيق أو الطبقات المسترقة. فطرفي هذه الماكنة المتكاملين والمتعاضدين هما من جهة نظاميْ أمن وقضاء عبارة عن أداة يفعل بها رجال ونساء طبقة الأسياد الأفاعيل لمن وُلدوا مستضعفين ودونيين وإيديولوجيا اجتماعية تقليدية تتجدد ويعاد إنتاجها حسب الحاجة والزمن وهي ما انفكت تفت في عضد الرقيق والموالي بما تلبسه عليهم باسم الدين من أحكام وقيم و ثوابت لا تمت إلى الإسلام بصلة بل هي ثقافة المتغلب ألصقها على مر الزمن والأحقاب بجسم الشريعة السمحاء، مستغلا بها جهل ضحاياه وهو جهل خلقه هو (المتغلب) وعمقه. فملاك العبيد كما في حالة خدامة وأمباركة يعاضدهم ولا يسائلهم في حالة ظهور تلبسهم بممارستهم الرق على ضحاياهم، أعلى هرم للسلطة في البلاد. ويتجلى ذلك في تصريحات رئيس المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية لقناة الجزيرة حيث انتهج مع الأسف منهجية التعتيم إعلامياً والإنكار قانونياً لتفاعلات الظاهرة والظاهرة نفسها بين صفوف شعبنا. وهي العبودية بجميع أشكالها ـ منها التقليدي ـ التي ما زالت موجودة على أرضنا وفي مجتمعنا رغم كل التطور الذي عشناه على مر الزمان والأحقاب وذالك لسبب رئيسي هو كون طبقة الأسياد ما زالت تتوارث السلط والأحكام على مر العصور والأجيال منذ حوالي ألف سنة حتى يوم هروب خدامه من بيت مالكتها فاطمة منت انداري في مقاطعة لكصر في السابع والعشرين من شهر رمضان المنصرم
- شرائع المجتمع وقوانين الدولة فيما يخص الرق إلى 1978:
فالكل يعلم إذن أن النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والقضائي في بلادنا قبل الإستعمار طيلة عدة قرون كان يعترف بالرق على رؤوس الأشهاد كمؤسسة اجتماعية حاضرة حضورا أساسيا في نظام المعاملات والقضاء والاقتصاد وتراتبية المجتمع ولكن الدولة الإمبريالية الفرنسية هي التي أدخلت منهجية النفاق والتعتيم حول مسألة الرق وذلك من أجل استهلاك الرأي العام الفرنسي الموالي لحقوق الإنسان ولذا دأب الإداريون والضباط الفرنسيون إلى استبدال عبارة الخادم مكان العبد وعبارة الخدمة مكان العبودية في تقاريرهم السرية وأحكامهم القضائية ومراسلاتهم الإدارية.
لكن الدولة الموريتانية المستقلة أحدثت قطيعة نظريا على الأقل مع هذه المنهجية وذلك بتسميتها الظاهرة باسمها وأعترافها في تقاريرها ولو إن كانت سرية في الكامل بوجودها وضرورة كفاحها. وحملت هذه الدولة بأوامر صريحة وواضحة جميع إدارييها وضباطها إلى مكافحة هذه الظاهرة بصرامة وبما بين أيديهم من نصوص دستورية وكانت تقر ببطلان الرق الشنقيطي من وجهة نظر الشريعة الإسلامية وبضرورة الحرية والمساواة لجميع البشر وذلك في عدة كتابات وتعاميم منها الذي أصدره يوم 16 مارس 1966 وزير الداخلية الموريتاني محمد الأمين ولد حامني إلى جميع حكام الدوائر ورؤساء الكانتونات والتعميم الذي أصدره المعلوم ولد برهان وزير العدل حافظ الخواتم يوم 05/12/1969 للحكام ورؤساء المراكز الإدارية وقضاة جميع المحاكم ووكلاء الجمهورية. ورغم كل هذا فإن النظام المدني بعد الاستقلال لم يُكتب له أن يهتدي إلى إصدار قوانين مجرمة ورادعة لممارسة الرق وانتظر الذين يتوقون لهذا القانون حتى سنة 1981 حين اتخذت اللجنة العسكرية للخلاص الوطني تحت ضغط حركة "الحر" المناهضة للعبودية وتهميش شريحة الحراطين من طرف الدولة وتجنيدها من طرف الحركات السياسية ذات الخلفية القومية والإقطاعية، اتخذت القرار رقم 234-81 بتاريخ 09 نوفمبر 1981 القاضي بإلغاء الرق في موريتانيا. ورغم أن نص هذا القرار ربط تحرير العبيد الموريتانيين بتعويض ملاكهم تعويضا مادياً، محاولا بذلك تحييد أصحاب النزعة المحافظة الذين تترقب منهم السلطة في وجل أن يرفعوا أصواتهم بالتنديد بعدم مطابقة هذا الإجراء للشريعة الإسلامية، فإن الفترة ما بين 1981 -1984 كانت تمثل هي الأخرى القطيعة إلى حد يعتبر مع فترة الحكم المدني حيث سادت منهجية التقارير السرية المنددة باستمرار ممارسة الرق والآمرة بكفاحه مع التمسك بخيار عدم الإثارة العلنية للمشكل وباتخاذ مرجعية القانون الوضعي والدولي ـ لحظره وكفاحه ـ في هذا الصدد يقول الباحث عبد الودود ولد الشيخ في دراسته لتطور ظاهرة الرق في أرض البيظان (1993)أن هذا الإلغاء يرجع له الفضل في القطيعة مع منهجية النفاق المتبعة من طرف الدولة تجاه الرق بالاعتراف به علنا وإلغائه علنا.لكننا سنحاول الاستطراد حول استخلاص هذا الباحث الكبير فنقول أن هذا الاعتراف كان اعترافا ذا شقين. أولهما الاعتراف بالرق كممارسة يكتوي بنارها موريتانيون، دحضاًً لتعتيم المستعمر وإزالةًً لتابو حزب الشعب، وهذا من باب الإنصاف للعبيد. وثانيهما هو الاعتراف بشرعية الرق الموريتاني وإضفاء عليه القدسية الإسلامية، وهذا من باب الجور والتزوير في حق العبيد. ومن هنا أرى من المفيد أن أبرز ملياً التباين الكبير في الخلفية الفكرية حول النظرة على الرق بين السلطة المدنية (1960/ 1978) والسلطة العسكرية (1978- 1984). فزملاء المختار ولد داداه رغم عدم توصلهم إلى قرار حكومي يسمى الرق ويلغيه، فإنهم تصدوا له بوجهة نظر خلفيتها الأساسية القانون الوضعي والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان وذلك مع استعدادهم وأظن قدرتهم لمقارعة أصحاب الرؤى المتشبثة بالرق باسم الدين الإسلامي فحججهم ضد أصحاب هذا الرأي الأخير لا تخلوا من وجهة نظرنا من نفاذ البصيرة والجرأة في الاجتهاد، مع الإلمام بالأمر العام. ففي هذا الصدد يكتب الوزير محمد الأمين ولد حامني في إحدى فقرات تعميمه السالف الذكر: "لا أجهل أن من الموريتانيين من يدَّعون أن هذه القوانين والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان مخالفة للنصوص القرآنية التي بالنسبة لهم تُجيز ممارسة الرق، لكن لهؤلاء المتخلفين الباقين عن الركب عليكم أن تُفهموهم أن تفسيرهم للنص القرآني المقدس تفسيرا ساذجا لأن الرق أُجيز لأجل تسهيل خضوع الكفار ودخولهم في الإسلام فلماذا لا ينتهي الرق عند بلوغ هذين الهدفين؟ وهل للرق مبرر للاستمرار في بلد مواطنوه مسلمون جميعهم؟ ومن ناحية أخرى فجميع الدول الإسلامية بما في ذلك العربية السعودية التي كان الرق يمارس فيها تحظر الآن ممارسة الرق". ونظرا أن نَبْرة ولد حامني ووزير العدل حافظ الخواتم معلوم ولد برهام بعده بأربعة أعوام في تعميم سري مماثل لجميع قادة فرق الدرك والقضاة في البلاد بقيت نبرة حقوقية ناصعة فإن الطابع السري الذي تكتسيه هذه الأوامر والتعاميم وكذا طابعها الظرفي والموسمي، مع عدم جرأة الدولة آنذاك على تجريم الاسترقاق، حال دون التقدم الحقيقي في مجال القضاء على الظاهرة ماديا وعلى مستوى العقليات.
فالمختار ولد داداه ورفاقه خرجوا على العرف الاستعماري الكبولاني حين تبنوا وجود الرق في تقاريرهم وحثوا الإدارة والقضاء على مكافحته ولكنهم لم يخرجوا عن هذا العرف الكبولاني بما فيه الكفاية حتى يحرموا الرق علناً كيْ يخرجوه من ثوب التَّابو الرسمي الذي ألبسه الميكيافليين والانحرافيين ممثلي مؤسسات الثورة الفرنسية. فثوب التَّابو هذا أطال أكثر مما كان سيكون عمر الرق في المنكب البرزخي. فخروج الرق من التابو يعتبر حقيقة وحكما رجوعا لأصالة الشناقطة في هذا المجال. فقبل الاستعمار كنا من الرق وإليه لفظا وفعلا، على المستوى الرسمي وغير الرسمي. ففي الكثير من المجالات، الدولة الداداهية لم تحرر نفسها ومسلكياتها (بما في ذلك مجال الرق) من أعراف المستمر ومنهجياته، فهذه الاستمرارية بالتعاطي مع الأمور على نهج حكم سابق أجنبي ودخيل، حال دون اختراق عبارات ومفاهيم كالحرية والمساواة والدولة الوطن.. الصور الفكري والثقافي الذي أحاط به حفدة الملثمين أنفسهم خلال معايشتهم، التي لم تخلوا أبدا من الاحتراز، للمستعمر الفرنسي حين أنهارت أمامه خطوط مقاومتهم العسكرية.
فبقيت طيلة حكم حزب الشعب الموريتاني العلاقة بين الدولة والرعية تتجلى في المثل الذي يقول الكلاب تنبح (ممثلي الدولة ومسؤوليها وخطبائها المكلفين بإيصال وتطبيق قراراتها وتوجيهاتها) والقافلة تمر (الرعية كلها وبكل شرائحها والتي تعتبر نفسها جسما متماسكا دون الدولة الدّخيلة والبدعة وكانت تتعامل مع هذه السلطة بخلفية مبدإ التقية وحكم المداراة).
التشريع للرق في زمن العسكر 1978 - 1984
لكنه من الجدير بالذكر أن إقدام المقدم محمد خون ولد هيدالة ومن والاه من رفاقه إلى تسمية الرق رسميا وعلنا وإلغاؤه لا يمكن أن نرى فيه رفضا للمؤسسة الرقيّة من المبدأ ولا وعيا بحق المساواة بين العباد، ولا ينم عن تقبل هيئة الكولونيلات تلك للمنظومة الدولية في مجال حقوق الإنسان.
ومن ضمن ما يبرر هذا الاستنتاج أن النخبة العسكرية الموريتانية الحاكمة آنذاك والمنحدرة من الأوساط الأرستوقراطية لأهل الشوكة تتوفر على خلفية أصالية معادية للمستعمر وجميع موروثاته من قوانين ومسلكيات في الحكم ومناهج في التعامل. وذلك بسبب عوامل تاريخية واجتماعية وظرفية عبر عنها الباحث الآنثروبولوجي الفرنسي كونستان هاميس في ملتقى باريس سنة 1979 من خلال مداخلته بعنوان "تطور الإمارات البيظانية تحت تأثير الرأس مالية الأوروبية" حيث قال: ما مضمونه أنه عند دخول الاستعمار لموريتانيا فالإمارة الدينية حلت محل الإمارة الدهرية وكان ذلك نتيجة لعدة عوامل من أهمها موالاة الفرنسيين للزوايا ودعمهم كبديل لحسان في قيادة المجتمع السياسية. وحين كانت النخبة الزاوية التي آلت إليها السلطة من الفرنسيين عند الاستقلال بعد حسمها الصراع على هذه السلطة لصالحها ضد رمز من رموز أهل الشوكة، الأمير المغفري محمد فال ولد أحمد لديد الملقب ولد عمير، الذي كانت قاعدته الوارئية الاستراتيجية هي المملكة المغربية التي دعمت مقاومة أهل الشوكة للمستعمر الذي راهن على موالاة أهل القلم، تبنت كما أسلفنا ذكره جزءا كبيرا من المناهج والقوانين والأنماط والمسلكيات الفرنسية - الغربية في كثير من المجالات وطال ذلك قضية العبودية. لأنه بعد الحرج من ذكرها رسميا وعلنا، الموروث عن الحكام الفرنسيين، طُعُّم هذا السكوت الكبلاني العريض على الرق بالغموض والتعتيم على كل أمر جلل وهي شيمة ارتقت بأعجوبة وعلى مر الزمن من خانة التواطؤ والتقاعس إلى فضيلة شمشوية - زاوية يتم بها صلاح العالم وعدل القائد.
فقادة الحكم المدني في حزب الشعب الموريتاني اتخذواكمرجيعة قانونية وفكرية لحظر الرق والقضاء عليه، النصوص و المواثيق ذات الأصل والروح الفرنسية والغربية حيث يذكر ولد حامني في البند الأول من تعميمه السري ضد الرق، الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان (1789) والإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) ويذكر في بند الرسالة الثاني قانون العمل في مرسومه رقم 023- 63 بتاريخ 23 يناير1963. كما ينص معلوم ولد برهام في الفقرة الأولى من تعميمه ضد الرق بصفته وزير العدل حافظ الخواتم (1969) على مواثيق الأمم المتحدة وما تحويه من بنود تحمي حقوق البشر ومواثيق دولية أخرى تعالج نفس الأمور وهو يعتبرها قوانين دولية ملزمة لموريتانيا كونها تفوق أي قانون محلي- وطني. وتشبثوا بالقوانين الوضعية والدولية طيلة ثمانية عشر عاما.
ولكن الضباط الأرستوقراطيين الذين أطاحوا بالحكم المدني سنة 1978 رأوا في بعض مسلكيات الحكم المدني والقوانين الوضعية وكذا المواثيق الدولية رموزا للغزاة الدخلاء الذين كسروا شوكة الآباء وسلبوا سلطانهم وبدلوا قيمهم. ويتبني الأستاذ حماه الله ولد السالم رأيا ينحو نفس المنحى وإن كان يتسم بالإثارة والغلو حين يقول: "انقلاب العسكريين (1978) كانت له خلفيات أعمق فقد يكون إعادة مرتنة للدولة، ترميما للشرعية المجتمعية التي عصفت بها اشتراكية ماري تيريز". وشجب زعيم الانقلاب العقيد المصطفى ولد محمد السالك في إحدى خطبه أمام الجماهير النظام المدني الذي حسب قوله عانت منه قيم المجتمع التقليدي، قياداته وعمقه البشري. وبعد نجاح انقلابهم العسكري بدأ الحكام الجدد انقلاباتهم السياسية والاجتماعية والعرقية والأخلاقية وفي مجال القوانين..فبدؤوا بتنشيط المشيخة القبلية التي كاد لها أب الإستقلال للقضاء عليها بالإنطفاء وتم أنتشال المشيحة التقلدية حين أوشكت أن تتواري بفعل سياسة الرئيس ذات الخلفية الزاوية وذات التأطير الغربي،تم إنتشالها من طرف العسكر بتخصيصها الكثير من الإمتيازات ذات الطابع الرسمي والسلطوي وكانت إعادة تسمية الولايات على الإمارات السابقة للإستعمار بدل الترقيم الذي انتهجه الحكم المدني رمزا لهذا الاتجاه، وتم إدخاله المطر بين والشعراء (إيكاون) إلى رفقة وبلاط الحكام الجدد لتكريس الصبغة الأرستوقراطية (العسكرية التقليدية) للنظام الجديد حيث الكل يعلم أن "لمرابط ماه صاحب إيكيو" أي (الزاوي ليس صديقا للمطرب) ولكن رجوعا إلى ما يهمنا في هذا المقام. فإن الشهادات المتواترة لدينا من أوساط الشرائح المسترقة، ساكنة المدن، ونخبتها المتعلمة والحركية حينها، كل هذه الشهادات تصب في اتجاه واحد هو كون خطاب رئيس اللجنة العسكرية للإنقاذ الوطني واكبته محاولات متفرقة في المدن وآدوابه من طرف الأسياد لإعادة من سبق أن "أبق" من عبيدهم ولاذ بالحضر وفي جو ملؤه التوتر والقلق داخل الكبات والأحياء الشعبية، تصدت جماعات" حركة الحر" الناشئة لمحاولات ملاك العبيد قنصٍ "الجامبور" من ملاذهم البائس إلى قسوة حياة ملك اليمين وغلظة مالكيه. ومن أشهر عمليات التصدي تلك التي قادها بلال ولد ورزك فى جمهور من عشرات الموالي حول مفوضية الميناء حيث اعتقلت أمة كانت هاربة تمهيدا لتسليمها إلى سيدها سنة 1979.
لكن اللجنة العسكرية للإنقاذ الوطني لما لمست حساسية الموقف في جو مشحون بالشائعات عقدت مهرجانا شعبيا في ملعب العاصمة وترأسه الضابطان الشيخ ولد بيده وجد ولد السالك ونفيا فيه أي ترخيص من طرف اللجنة للتحرش بالرقيق من طرف الأسياد.
لكننا إذا نظرنا في قرار إلغاء الرق الصادر عن اللجنة العسكرية للخلاص الوطني تحت الرقم 234- 81 بتاريخ 09 نوفمبر 1981 نلاحظ ما يلي:
قراءة فى قرارإلغاءالرق الصادر1981
- أولا: ظاهره رحمة بالعبيد والأسياد معا بما فيه من وعد عتق لهؤلاء وتعويض لأولئك وباطنه عدم الوفاء للأسياد بالتعويض المالي موضوع المادتين 2 و 3 من مواد القرار الأربعة وينتج عن هذا الوضع اللاشرعي من وجهة نظر القرارنفسه،توقف المجرى القانوني لعملية العتق.
- ثانيا: يظهر جليا من نص القرار ومراجعه، خلافا للتعاميم السرية المذكورة آنفا والمصدرة من طرف وزراء الحكم المدني أن المشرّع هنا ضرب بعرض الحائط كل المواثيق والقوانين الدولية والشرائع الوضعية ولم يكترث لها قيد أنملة بل تجاهلها على طول الخط فالمرجعية الوحيدة لهذا القانون كانت الشريعة الإسلامية.
- ثالثا: إن هذا القانون كان سابقة ذات أهمية في تاريخ تناول الدولتين الاستعمارية الكبولانية والوطنية الحديثة وسلط في حقب قبل ذلك كونه أضفى الشرعية الدينية على الرق في أرض المليون شاعر بإقراره بالتعويض "تطبيقا للشريعة " لملاك العبيد عن فقد ما ملكت يمينهم فهذا أول رد ونقض على الشيخ الفقيه أحمد بابه التمبكتي (1556-1627) الذي استرسل في فتوى مؤصلة مفادها هو أن جميع أنواع الاسترقاق في هذه الأرض لا يستند على أي أساس شرعي من أصله إلى فرعه وكانت جميع الروايات والقصص الصادرة عن العبيد وأسيادهم حول مصدر الرقيق تؤكد بوضوح ما ذهب إليه العلامة أحمد باب في جوابه المصمم فقهيا لسكان اتوات المغربية حين استفتوه في الظاهرة. ونحى منحى أحمد باب التمبوكتي في نفيه الشرعية الإسلامية عن الرق في منطقتنا هذه علماء آخرون من أهل البلاد السائبة منهم محمد فال ولد عبد الله العلوي الذي أورده محمد جميل بن منصور في مقاله المعنون "الرق بين الدين والمجتمع " في مجلة المحايد بتاريخ 24 فبراير 1997 حيث يقول: " تجار العبيد كانوا في الزمن القديم يرحلون إلى بلاد السودان ويسرقون أبناءهم ويبيعونهم والسودان أيضا كان القوي منهم يبيع الضعيف ومنهم المسلمون وفي هذا الصدد يحصل الشك في رق هؤلاء العبيد الذين في هذه البلاد " هذا المقطع من مخطوط وجوب الصلاة في القرى السينغالية . وأريد أن أضيف ضمن هذا السياق ما كتبه الأخ سيدي محمد ولد أحمد عبد في يومية السراج في العدد 18 بتاريخ 24/11/2005 : "هناك أمر نرى أنه يسهل من حل قضية العبودية وهو أن يقف الفقهاء موقفا يليق بهم وذلك لأن هذه الشريحة التي تم استعبادها لم تسقط أسرى في حرب بين كفار ومسلمين بل كانت بسبب الحرابة والسطو ولقد صمت على هذا المنكر فقهاؤنا الأجلاء في الوقت الذي لم يصمتوا عن أحكام الدجاج والزبدة وكل المأكولات وتناسوا أن الله قد أثبت أنه خصيم من استرق حرا " فمن المسلم به أنه ما كان منكر الرق ليطال هذا الكم الهائل من الآدميين المسلمين في بلادنا لولا "استصلاح " أرضية الإثم هذه من طرف من يسميهم عبد الودود ولد الشيخ - " مسيري الغيب " فعلماؤنا وفقهاؤنا وقضاتنا هيئوا هذه الأرضية وما زالوا يهيئونها بالسكوت والتلفيق والغموض ولي رقاب النصوص وكسرها . فقرار إلغاء الرق المذكور سلفا، يضفي الشرعية الدينية بنصه على التعويض على حقب طويلة من الجريمة التشريعية المنظمة.
- رابعا: بعد خمسة وعشرين سنة من صدور القرار نلاحظ أنه لم يتبعه حتى الآن كما تعهد به نصه قانون مطبق له وكان هذا النكوص عن العهد وانعدام الإرادة السياسية للمضي قدما إلى التطبيق يساوي ما ساواه وهو إطلاق العنان لملاك العبيد المتعفنين والقضاة الجائرين ليواصلوا سوم الرقيق سوء العذاب .ورغم مواصلة ممارسات الرق في مجتمعنا ولجوء الرقيق في كثير من الأحيان إلى السلطة والمحاكم فلم يستجوب قط ولم يوقف ولم يحاكم أي مستعبد بجرم العبودية ومع ذلك يجرؤ المنافقون والسماسرة في كل موقف أن يقولوا أن الرق محرم في البلاد ومجرم مستترين تحت دساتير وقوانين براقة في الحقيقة ولكن عائمة فيما يخص الرق وجوفاء.
- خامسا: الملاحظة الخامسة والأخيرة هي أن قرار إلغاء الرق المتخذ من طرف اللجنة العسكرية سنة 1981 كان أكثر هو عملية صقل للموروث الحقوقي والقانوني الفرنسي الغربي من أن يكون توجه نابع من إرادة سياسية تهتم بتحرير العبيد وتحديث العلاقات الاجتماعية. وكان في هذا تسديد ضربة للنخبة الزاوية المتغلبة منذ دخول الاستعمار وطيلة ثمانية عشر سنة من الحكم المدني وخلفيتها الانفتاحية للحداثة والغرب . فمن خلال الهيئة العسكرية المتربعة على سدة الحكم تمكن أبناء الأمراء والشيوخ الذين حملوا السلاح في وجه الزحف الفرنسي من إحداث عملية رجوع عن أنماط ومناهج في الحكم والتسيير والتشريع تشمل جميع مؤسسات الدولة وميادين الحياة هدفها الرجوع إلى الأصالة وتحديد هوية الشعب والبلد . فإضافة إلى الاعتراف بالرق وإلغائه بالرجوع إلى مرجعية تشريعية وحيدة (الإسلام) والتنكر للمواثيق والقوانين الدولية تم اتخاذ قرار تعريب المؤسسات التعليمية والإدارة وإعلان تطبيق الشريعة الإسلامية وأدارت ديبلوماسيتنا الظهر لدول غرب إفريقيا الفرنكوفونية لتفتح باب التعاون السياسي والثقافي على مصراعيه مع الدول العربية ذات الأحكام القومية وذات الثروات النفطية . فكان إلغاء الرق هذا حق أريد به غيره ؛ فاستخدمته الفئة المتغلبة من علية القوم لأضعاف مواقف غريمتها التي فقدت مركز السلطة بقطع خيوط العلاقة الفكرية والعقدية التي ما فتئت تنسجها مع العالم الغربي بواسطة فرسنا ومستعمراتها الغرب - إفريقية منذ طلوع - اكزافيي كبولاني على البلاد مستهل القرن الماضي.
- فما تضرر من هذا القرار غير العبيد أنفسهم ؛ حين حسب لهم عتق وهم ما زالوا يئنون تحت وطأة الرق سنة 2005 (قضية خدامه وجابه الله قبلها) ولكن ثمة مثل شعبي إفريقي يقول: "إذا تصارع الفيلة فالعشب سيكون المتضرر الأكبر". - وأعدكم أنني سأتناول في حلقة قادمة موضوع العبودية في الفترة ما بين 1984 إلى اليوم.