بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
فضيلة الشيخ العلامة الشيخ محمد الحسن بن الددو غني عن التعريف فهو نابغةالمغرب الأقصى وعلم بلاد شنقيط وفخرها , من اجتمع به لن يحتاج لكثير ذكاء ليكتشف غزارة علمه في كل الفنون , و الأهم من ذلك تواضعه الجم وأخلاقه الفاضلة فهو يعامل الناس على انه دونهم ,. تسمع في مجالسه العلوم بشتى أنواعها وبأدق تفاصيلها وتخصصاتها ففي التفسير هو الإمام البحر وفي الحديث هو المحدث و في اللغة هو المرجع وقل ذلك و أكثر في غير ذلك من الفنون وفي علوم العصر تسمع منه تحليل العارف المتخصص, فلله دره .ومما يذكر للشيخ ايضا حرصه على وحدة المسلمين بمختلف طوائفهم ومدارسهم.
وقد تفضل الشيخ مشكورا بالإجابة على أسئلة موقع المنارة والرباط في المقابلة التالية :
فضيلة الشيخ : يستأذنكم موقع المنارة والرباط في أخذ بعض من وقتكم الثمين .
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته,,,
س1 : مرت بلادنا بتجربة مريرة خلال السنوات الماضية وقد عانيتم أنتم شخصيا من الظلم إلي أن من الله عليكم بالفرج , وترتفع اليوم أصوات تؤكد علي نبش ملفات الماضي ومحاكمة المسؤولين عما لحق ببعض أبناء الشعب الموريتاني من الظلم والاعتداء , فأيهما أفضل للمصلحة العامة للبلد والشعب والوحدة الوطنية : التمسك بهذه المحاكمات وفتح تلك الملفات أم محاولة نسيان الماضي والتركيز على رد المظالم وإشاعة جو من التسامح والصلح بأسلوب يعزز وحدة البلد ويسد أبواب الفتنة ؟.
ج1 : الحمد لله رب العالمين . . وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
أشكر لموقع المنارة والرباط هذا الاهتمام وأسأل الله أن يعين القائمين عليه على خدمة هذا الدين العظيم وتراث البلد الأصيل .
: إن الله أرشد في كثير من آيات كتابه إلي التسامح والتصالح والصفح والتجاوز , وأرشد إليها رسوله صلي الله عليه وسلم في كثير من الأحاديث الصحيحة , وهي من أخلاق المسلمين الفاضلة التي لا يعدل عنها إلا في حالات نادرة . وقد عرف النبي صلي الله عليه وسلم حسن الخلق بقوله : " أن تعفو عن من ظلمك وتصل من قطعك وتحسن إلي من أساء إليك . "
س2 : عرفت بلادنا موريتانيا ( بلاد شنقيط ـ المنارة والرباط ) علي مر العصور بأنها بلاد العلم وتميز علماؤها بالنبوغ والحفظ والورع والزهد والصلاح , وكان لمشايخ التصوف النصيب الأوفر في رفع اسم البلاد ونشر علمها في إفريقيا والبلاد العربية وجميع أنحاء العالم الإسلامي تقريبا ومن أبرزهم كما تعرفون : سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم والشيخ محمد الحافظ العلوي والشيخ سيد المختار الكنتي والشيخ سيديا الكبير ومحنض باب بن أعبيد واحمد بن العاقل ومحمذن فال بن متالي والشيخ محمد المامي والشيخ ماء العينين ومحمد يحي الولاتي واحمد بدي(آب) ومحمد فال بن باب ومحمد بن محمد سالم والمرابط بن أحمد فال ويحظيه بن عبد الودود ومحمد عالي بن عبد الودود ومحمد مولود بن احمد فال ( آد ) وغيرهم . وإلي جانب مدرسة التصوف كان هناك اتجاه سلفي من أبرز رموزه لمجيدري والعلامة باب بن الشيخ سيديا ومع ما بين المدرستين من اختلاف في بعض الإجتهادات والمفاهيم فقد كان يسود الاحترام والتقدير بين الفريقين , فلم يكن بعضهم يكفر ولا يبدع ولا يفسق من يخالفه إلي أن انقلبت الصورة في عصرنا الحاضر , وأصبح الحكم بالفسق والضلال بل والتكفير أحيانا يصدر من هذه المدرسة ضد تلك ,ويمتد الأمر كذلك إلي وصف الأشعرية والماتريدية بالضلال , فهل سيطرت علينا مقولة " سلفية تنطح وصوفية تشطح " وما رأي فضيلتكم في هذا الموضوع ؟
ج2 :: إن العلماء في بلادنا كانوا وما يزالوا يأخذون بشمول الإسلام إيمانا وإسلاما وإحسانا , فهذه هي عناصر الدين الذي جاء به محمد صلي الله عليه وسلم من عند الله تعالي لا تناقض بينها ولا تصادم , يتخصص كل متخصص فيما اختار من جوانبها من غير طعن في الجوانب الأخرى ولا في المتخصصين فيها فيقع التكامل , ويجمع البارعون بينها فيقع الانسجام . ولهذا لا أجد أي فرق بين الأمثلة المذكورة في السؤال يقتضي فصلا بينها , فأغلب المذكورين كانوا سلفيين في الاعتقاد وكلهم كانوا من المهتمين بتزكية النفوس وإحسان التعامل مع الله , حتى من كان منهم متخصصا في علم الكلام والعلوم العقلية كالعلامة أحمد بن العاقل , فقد كان يقول : " عقيدتنا هي ما ذكره ابن أبي زيد في مقدمة الرسالة . " والعلماء أبعد الناس عن التكفير والتضليل بغير حق , ولا أوافق على ما ذكر في السؤال من أن الصورة قد انقلبت في عصرنا , بل ما زال الأمر في العموم على ما كان عليه , وما يقع من الهنات لا يمثل إلا حالات نادرة لم تزل تظهر في تاريخنا قديمه وجديده من متطرفي مختلف التخصصات .
س3 : فضيلة الشيخ : امتدادا للسؤآل السابق , يوجد على الساحة الإسلامية اليوم على الأقل بالنسبة لأهل السنة أربع مدارس فاعلة هي التصوف والسلفية والإخوان المسلمون وجماعة الدعوة والتبليغ , والأصل أن كل مدرسة من هذه المدارس تسعى إلي نشر الإسلام والحفاظ على سنة نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم , غير أن ما بينها من الخلافات والشقاق الذي يصل أحيانا إلي حد التكفير من بعض الغلاة , يجعل عمل هذه الطوائف يعاني من الشلل أو الضعف , فما هو رأي فضيلتكم في شأن التقريب بين هذه المدارس وبناء جسور من الود بينها وهل تؤيدون تنظيم مؤتمرات أو لقاءات للحوار الإيجابي والبناء بين هذه المدارس ؟
ج3 : وأما عن السؤال الثالث فجوابه ضمن في جواب السؤال الثاني . ولا شك أن الأمر كما ذكرت لا يعتبر ظاهرة جديدة مميزة لهذا العصر , بل هي هنات تظهر في كل الاتجاهات ثم تختفي " فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ." واختلاف التخصص والتنوع لا يفسد للود قضية بل يعملون فيما اتفقوا عليه ويعذر بعضهم بعضا فيما اختلفوا فيه من الأمور الاجتهادية .
س4 : تعرفون فضيلتكم أن بلادنا لم يكن لها شأن بين البلدان إلا بما عرفت به من العلم والحفظ بفضل الله وتوفيقه ثم بمنهج المحظرة التي تخرجت فيها
أجيال من العلماء والدعاة , وتعاني المحظرة اليوم من مشاكل عديدة تهدد بالقضاء عليها, منها وفاة كثير من المشايخ والعلماء وعزوف كثير من الطلاب عن الدراسة فيها بسبب عدم توفر فرص العمل بعد تخرجهم مع صعوبة الحياة ومتطلباتها . فما هو رأي فضيلتكم حول كيفية تطوير المحظرة الموريتانية بحيث تحافظ على منهجها العلمي التليد , مع الأخذ بعين الإعتبار التطورات المعاصرة بحيث تؤمن لطلابها بعد تخرجهم ما يضمن لهم الحياة الكريمة ويبقيهم على صلة مستمرة بالمحظرة بطلب العلم ؟
ج4 : من الحلول التي أقترحها أن تفرغ كل أسرة من الأسر المعروفة بالعلم واحدا أو أكثر من النابهين من أبنائها للدراسة المحضرية وتضع تحت تصرفه كل ما يحتاج إليه من إمكانياتها وتشجعه بأنواع التشجيع المعنوي والمادي حتى يتخرج عالما جامعا وحينئذ لن تعوزه وسائل الحياة الكريمة وأن يشجع المجتمع والدولة كذلك كل من له أهلية ولديه همة لهذه الغاية السامية .
س5 : كما تعرفون فضيلتكم فإن المحظرة الموريتانية استمرت قرونا عديدة تعتمد على روافد العلم التي وصلت إلي البلاد من الأندلس والمغرب ومن مصر خاصة المتون الفقهية وأشهرها متن الشيخ خليل وشروحه وهذه المتون الفت لعصرها , وقد استحدثت أمور كثيرة وتغيرت الأحوال ولعل كثيرا من هذه النصوص الفقهية لم يعد يلائم عصرنا الحالي فهل تؤيدون إعادة كتابة هذه المتون بلغة العصر وتبسيطها وانزالها على الواقع بحيث تفهمها الأجيال اليوم , وهل لفضيلتكم مشاريع في هذه الإتجاه ؟
ج5 : إن المتون نفسها صالحة والذي ينبغي أن يتغير هو طريقة الشرح والتأصيل والتدليل والمقارنة بين المذاهب بما ينفي التعصب , ولا يزال العلماء يؤلفون أيضا من المؤلفات ما يسد الخلة المتجددة .
س6 :فضيلة الشيخ :هل تودون أن تعطوا للقارئ الكريم نبذة عن بعض مؤلفاتكم وخاصة أحدثها .
ج6 : إني لست أهلا للتأليف وإنما أكتب بعض الكتابات التي هي من باب الضرورة فحسب . ومن أحدثها مشروع خدمة المتون العلمية التي تدرس في المحضرة بالتصحيح والتحقيق والزيادة والطباعة المناسبة والتسجيل الصوتي . وهو مشروع كبير يخدم أكثر من مائتي متن بإذن الله , وقد طبع منه إلي الآن خمسة متون , وأضعافها جاهز للطباعة الآن إن شاء الله .
وأنا أشترك في هذا المشروع مع بعض الدكاترة العلماء وبعض طلبة العلم .
وأخيرا أسأل الله أن يبارك في موقع المنارة والرباط وأن يوفق القائمين عليه ويجزيهم خيرا .
وإياكم وبارك فيكم ووفقكم وحفظكم ورعاكم.