سيد أحمد ولد محمد سيد أعمر ?
أحد الزوار ?
بسم الله الرحمن الرحيم
إنه حقا لفخ وإعزاز لبلدنا موريتانيا أن تتخذ مثل هذا القرار الصائب الجبار من أجل شعبها والمتمثل في محو الأمة ويتم الإنفاق عليه رغم الصعوبات الاقتصادية التي تمر بها الدولة والأكثر أهمية في ذلك هو وعي المواطن وإسهامه مادياً ومعنوياً في تلك الحملة.
ولكن سادتي الكرام أعرف كل المعرفة أن أي شيء في بدايته يواجه صعوبات تطول أو تقصر ولكن مع الجهد والمعالجة لا بد من الوصول للهدف وخاصة إذا كان الهدف يستحق الصبر والمرونة في المعالجة، ولأني مختص ومطلع على بعض التجارب التي سبقنا أصحابها في ذلك الهدف النبيل أجد ملاحظات لعلها تفيد أصحاب القرار وتكون إسهامي لتلك الحملة أردت أن أناقشها من خلال هذه السطور مع القائمين على تلك ا لحملة التي ارجوا أن تنال أكلها.
في البداية يستحسن أن يتم تغيير مصطلح الأمية إلى مصطلح تعليم الكبار وهذا هو المفهوم السائد في العلوم التربوية وخاصة ما تتطلبه الحداثة من احترام للمتلقي وعدم إحراجه وذلك لأن تعليم الكبار يتضمن جميع المراحل التعليمية من بداية تعليم الحروف حتى آخر المراحل التعليمية لا غرابة في أن يفتخر المتعلم بانتسابه لتعليم الكبار في حين يرى الكثير من الدارسين إحراجاً مسمى محو الأمية لضيق هذا المصطلح على تعليم القراءة والكتابة عند البعض.
أما الأهم من ذلك فهو عدم تمييز الحملة بين التربية المقصودة والتربية غير المقصودة حيث أن التربية المقصودة هي ما يقع من تمدرس نظامي ويشترط أمور هي : تحديد الأهداف المنشودة من وراء العملية التعليمة وبعد ذلك يتم تحديد المناهج " المادة العلمية" التي تحقق تلك الأهداف ثم تحديد الفئة التي سيتم تقديم العمل لها كبار أو صغار وعادة يتم هذا النوع من التعليم في وقت محدد حيث يتم تقديم تلك المادة العلمية في عدد من الساعات في فصل دراسي أو أكثر داخل مؤسسة تعليمية نظامية.
أما القسم الثاني من التربية فهو التربية غير المقصودة وهذا النوع يتميز بالتقائية حيث أنه لا توجد أهداف محددة له وعادة يتم بالاحتكاك مثل ما يقع في وسائل النقل أو في السوق أو غير ذلك، فقد يتعلم الشخص شيء ما سواء بإرادته أو بغيرها ولكن دون تخطيط مسبقا فذلك نوع من التربية وقد يكون ذلك النوع من التعليم له أثر واضح في سلوك المتلقي، كل تلك التراكمات والخبرات تعتبر تربية غير مقصودة لأن التربية في مفهومها الواسع " هي أي تغيير في السلوك " فكل تغيير في السلوك يعتبر تربية وحتى وإن كان غير مرغوب من المجتمع مثل الانحراف الأخلاقي مثلاً هو نوع من أنواع التربية لأنه تغيير في سلوك الفرد ولكن المجتمع لا يرغب هذا النوع من التغير مع حصوله.
لذلك لا بد من الإجابة على بعض التساؤلات الهامة
ما هو الهدف المقصود من وراء محو الأمية؟ ( مثلاً هل هو مجرد تعليم القراءة والكتابة أم الرقي بذلك المواطن لأبعد من ذلك )
ما هو الأمي في منظور هذه الحملة؟( مثلا لا بد من تحديد دقيق لهذا المفهوم لكونه مفهوم مطاط ويختلف تعرفيه من شخص لآخر أي من هو المتلقي المقصود بهذه الحملة)
ما هو المنهج المناسب لتحقيق الهدف السابق " المادة العلمية" (الكتابة أو الشريط والأدوات اللازمة مثلاً لتعليم الكتابة والقراءة ولا بد من تغذية جميع الفصول بنفس المنهاج)
ما هو الوقت المناسب لاجتياز المقرر الذي وضع لتحقيق الهدف؟ ( أي أنه لا بد من تحديد الوقت المناسب فصل دراسي مثلاً أو سنة دراسية أو أكثر أو أقل المهم لا بد للدارس أن يحضر مجموعة من الساعات النظامية لاجتياز ذلك المقرر)
ما هو المكان الذي ستتم فيه عملية التدريس؟( أي أنه لا بد من تحديد الأماكن المناسبة للدراسة قبل تسجيل أو حتى الإعلان عن الحملة)
وبالإجابة الصادقة على تلك الأسئلة يمكن للحملة أن تصل لهدفها وتلك النقاط كلها يجب أن تتم قبل أي عمل أو تعامل مع الدارس أو البحث حتى عن من يريد الاستفادة فلا بد من (تحديد الأهداف ، والمنهاج ، والمكان والزمان ) قبل كل شيء اسمحوا لي إخواني الأفاضل ما نشاهده هو مجرد عملية تلقائية قد تأتي بفائدة وقد لا تأتي بها.
وبعد العرض السابق أجد أن السادة القائمين على تلك الحملة لم يضعوها في مكانها المناسب بل أخذت من هنا وهناك فليس تربية مقصودة بالمفهوم التربوي الصحي فيبدوا أن الأهداف غير واضحة وإن كان الهدف العام واضح لهم وحتى للمواطن فإن الأهداف الفرعية غير واضحة وهي التي تضمن تحقيق الهدف العام، ولنفترض أن الأهداف محددة ولكن هناك شواهد ومعالم واضحة لكل مربي لا بد من إتباعها بشكل واضح ودقيق منها:ـ
1. تحديد المادة العلمية " المنهاج" بشكل واضح ودقيق.
2. تحديد الفئة " المتلقي".
3. تحديد الوقت المناسب للدراسة.
4. تحديد الفصول الدراسية ( وعادة يكون تعليم الكبار في المدارس النظامية في الفترة المسائية)
5. تحديد المعلم أي التعاقد مع معلم ويكون تابع للمؤسسة التعليمية بشكل رسمي ( فلا يعقل أن نحاسب معلم متطوع) كما أن المعلم غير المؤهل لا يمكن أن يغيير سلوكيات أجيال ففاقد الشيء لا يعطيه فالتركيز على الجانب المعرفي دون الجانب المهني التربوي للمعلم غلط فادح وخلل تربوي.
6. تشجيع وظيفي وتعويض مادي وتوفير وسائل نقل للدارسين.
7. منح الدارس شهادة المرحلة التي يجتازها وتشجيعه على مواصلة الدراسة حتى يصل للمرحلة التي يرغب ففي بعض دول العالم تعليم الكبار مفتوح وبه جميع المراحل من الابتدائي حتى الثانوية العامة وهذا النوع له نفع أكثر لأنه يلبي حاجات جميع الفئات وخاصة من أرغمتهم الظروف على العمل ويريدون المتابعة فيجب أن لا يقتصر على الكتابة والقراءة .
وهناك جانب آخر لا أعرف هل تم أخذه في الاعتبار أم لا وهو التسرب الدراسي وطرق معالجته فعندنا تسرب دراسي يفوق التصور في المدارس النظامية وهذه نسبة تشكل خطورة وهي المغذي الأساسي لنسبة الأمية فالطفل الذي يترك المدرسة وهو في سن تحت 12سنة يُحمل المجتمع أعباءً كثيرة في ما بعد وقد يكون سبب فصل هذا الطالب هو نبوغه وتفوقه العقلي وعدم قدرة المعلم على فهم ذلك مما ينتج عنه فصله من الدراسة أو يتم فصل الطالب لمشاكسته وانزعاج المعلم غير المهني من ذلك والذي يعتبر هو السيد وصاحب القرار في الفصل أو غيره لتمكنه من درجات الطالب بصفة شبه مطلقة وخاصة في المراحل الابتدائية، سوف أتلكم عن هذه النقطة في موضوع آخر لأهميتها وما يقع فيها من تجاوزات مهنية.
وفي الأخير ارجوا من الوزارة المكلفة بتلك الحملة التفكير في بعض النقاط الهامة والمفيدة والتي هي في أمس الحاجة لها.
عدم إسهام المواطن بشكل مباشر في فتح الفصول أو الإشراف على التدريس ولكن فتح باب التبرع لمن يرغب في التبرع في هذه الحملة دون التدخل في فتح فصول أو تدريس طلاب أو التدخل في ذلك من بعيد أو قريب لعدم الأهلية و ما يسببه ذلك من اختلافات مهنية.
أن تكون فصول محو الأمية في المدارس النظامية في الفترة المسائية الليلية لمناسبة الوقت لجميع شرائح المجتمع وعدم تعارض ذلك مع العمل اليومي وتجهيز تلك المدارس ومناسبتها للعملية التعليمية دون للجوء للأماكن التي تم تخصيصها لمحو الأمية والتي لا تصلح لذلك الهدف.
تحديد مقرر موحد وانتظام الدراسة بشكل فصلي مثل ما هو متبع في المدارس ا لنظامية ومنح الدارس نفس الشهادة المعترف بها من قبل المؤسسات التعليمة.
ترك الفرص أما الدارس لاجتيازه جميع المراحل التي يرغب أجتيازها مما يعطيه الأمل والتحفيز على الاستمرار وفي العالم مشاهير أكملوا دراستهم في المدارس الليلية أو ما يعرف بتعليم الكبار من الأمية حتى الشهرة والتميز الأكاديمي.
تحديد مستوى الدارس وإدخاله في مستواه الحقيقي في المرحلة الابتدائية.
التعاقد مع المعلم النظامي لما في ذلك من تحسين ظروفه المادية وقدرته على القيام بالعملية التعليمية دون غيره.
فتح قسم خاص لتكوين معلمي تعليم الكبار في مدراس تكوين المعلمين لاختلاف المنهج التربوي لمعلمي الكبار عن غيرهم.
لا بد من معالجة الأمية على شقين أساسيين الأول هو محو الأمية والثاني هو معالجة أسبابها وخاصة التسرب الدراسي فلا بد من البحث ومعرفة أسبابه ومعالجتها لأنه هو المغذي الأساسي للأمية حيث أني أرى أنه من الأفضل المحافظة على منهم تحت سنة 12 سنة وعدم التصرف معهم بتعسف وطردهم من المدرسة من أن نمحو الأمية عن من هم فوق سن 60 لأن المجتمع أحوج لعلاج المجموعة الأولى من الثانية لذلك لا بد من أن يكون هناك تساير في الاتجاهين محو الأمية ومعالجة أسبابها أي الحفاظ على الطفل الذي هو أساس المجتمع.
في الختام أشكر القائمين على محو الأمية على ما يقدمونه من جهد وإخلاص للوطن والمواطن وأرجوا لهم التوفيق والسداد وأنا سعيد جداً بما أشاهده من إنجازات وحوارات ومناقشات تلفزيونية وإن كانت في كثير من الأحيان ينقصها المنطق التربوي لكنها فعلاً ذات أهمية كبيرة وأعتبرها بداية للتغيير الاجتماعي.
كما اعتذر من السادة القراء في ضعف الأسلوب والأخطاء الواردة وذلك لأني لست أديب ولا كاتبا ولكن تربوي أهتم بتشخيص مشكلة تربوية ثم أصف العلاج المناسب والهدف الأساسي عندي هو إيصال ذلك العلاج ( الرسالة) بأبسط الطرق وارجوا أن يكون التعليق على دقة التشخيص وصلاحية العلاج لا على أسلوب الكتابة.
سيد أحمد ولد محمد سيد أعمر
أخصائي تكنولوجيا التعليم
الرياض 17شوال 1425هـ الموافق 30/11/2004
S_sidi_123@hotmail.com
Z_sidi_123@yahoo.com
[ 10121 قراءة | الناشر : التحرير ، في 05-01-2005 ]
|