الفصل الخامس:من دراسة الحريات العمومية في موريتانيا بين التقنين والممارسة
الفجوة بين التقنين والممارسة
1. "إن الشعوب الأمية لا تستحق الديمقراطية، و لا تحكم إلا
بالأحكام الاستثنائية "
رئيس الجمهورية : معاوية ولد سيد أحمد الطايع
أمام سكان مدينة أنواذيبو
2. إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر
و لابــد لليل أن ينجلي ولابـد للقيـد أن ينكسر
أبو القاسم الشابي
في ديوان أغاني الحياة
ليس صعبا أن تتعرف علي مظاهر الحريات العامة في الدستور الموريتاني لسنة 1991 م و الضمانات التي قررها لممارسة تلك الحريات ، و مدي فاعليتها علي أرض الواقع ، و ليس صعبا كذلك أن تدرس تقنين هذه الحريات و الشروط والقيود المفروضة لممارستها في التشريعات المختلفة الصادرة عن هذا الدستور .
كما انه من السهل جدا أن تدرك أن هناك فجوة كبيرة بين تقنين هذه الحريات بمختلف أنواعها و مجالاتها، و بين ممارستها علي أرض الواقع. و لكنه من الصعب أن تعرف بالضبط الأسباب الحقيقية الكامنة وراء هذه الفجوة، فما الذي يدفع السلطة إلي أن تقنن لشعبها حقوقه وحرياته، ثم تسلبها منه في انتهاك واضح للدستور والقانون !؟
وما الذي يجعل شعبا تقنن له حقوقه وحرياته العامة في حدها الأدنى، ثم تسلب منه دون مبررات قانونية...هل يعود ذلك إلي أنه لم يعرف هذه الحقوق و الحريات و لا كيفية استثمارها و الوصول إليها؟ أم لأنه لا يحسن استعمال الوسائل الكفيلة بضمان ممارستها،؟ أم أن هناك ظروف موضوعية تحد من تطلعاته نحو ممارسة هذه الحقوق و الحريات ؟ و أين يقع دور النخبة السياسية في تنوير و تأطير الرأي العام وقيادته إلي التضحية في سبيل انتزاع حقوقه وحرياته وحمايتها والمحافظة عليها.؟
أسئلة كثيرة وصعبة في نفس الوقت، لا أستطيع الإجابة عليها، لكن ذلك لا يمنع من المحاولة انطلاقا من القاعدة الشهيرة "ما لا يدرك كله لا يترك جله" و عسي أن تكون هذه المحاولة خطوة علي طريق معرفة أين يكمن الخلل، تتبعها خطوات أخري من باحثين أكثر قدرة علي فهم الواقع و تحليله لأن ذلك هو المدخل الصحيح لعلاجه و تصحيحه.
و تشتمل هذه المحاولة على المباحث التالية:
المبحث الأول : الإرادة السياسية وظروف الإعلان
عن الديمقراطية
لقد أعلن عن بداية الانفتاح الديمقراطي في موريتانيا أثناء خطاب العقيد معاوية ولد سيد أحمد الطايع رئيس اللجنة العسكرية للخلاص الوطني ، بمناسبة عيد الفطر المبارك بتاريخ 15 إبريل 1991 م الذي أعلن فيه عن التوجه نحو إشراك الشعب " في بناء موريتانيا مزدهرة " و عن قرب الشروع في بناء مؤسسات ديمقراطية ، و كانت أول خطوة في هذا الاتجاه هي إجراء استفتاء شعبي عام علي مشروع دستور للجمهورية الإسلامية الموريتانية ، بتاريخ 12 يوليو 1991 م ، بعد حملة إعلامية رسمية مكثفة كانت نتيجتها الموافقة علي مشروع الدستور بنسبة كبيرة بلغت 97.96 % تم علي إثرها إقرار الدستور رسميا من طرف رئيس اللجنة العسكرية للخلاص الوطني ، و صدر به الأمر القانوني رقم 022/91 بتاريخ 20 يوليو 1991 م.
و قد تميزت هذه الفترة بظروف خاصة علي المستوي الخارجي والداخلي مثلت دوافع للإرادة السياسية للتوجه نحو المسار الديمقراطي .
المطلب الأول: العوامل الخارجية
لقد تميزت فترة الإعلان عن الانفتاح الديمقراطي ببداية انهيار المعسكر الشيوعي و تفكك الاتحاد السوفيتي، الذي كان يمثل اعتي دكتاتورية في العالم وفي نفس الوقت كان يمثل – بقيادته للمعسكر الشرقي – قطبا موازيا للمعسكر الغربي الليبرالي الذي بدأ علي الفور حملة إعلامية ضخمة للتبشير بالنهج الديمقراطي الليبرالي، و بالنظام العالمي الجديد الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية...
كما أصبحت المؤسسات الدولية المانحة للقروض تربط منح قروضها للدول النامية بشرط أن تقبل بالانفتاح الديمقراطي كما أن الدول الغربية وعلى رأسها فرنسا بدأت هي الأخرى تربط مساعداتها للدول الإفريقية بشرط التحول نحو الديمقراطية و قد صرحت بذلك أثناء قمة "لا بال" للمجموعة الإفريقية ،سنة 1991 م، و ذلك حين طالب الرئيس الفرنسي حينها "فرانسوا متران" بضرورة بناء "أشكال ديمقراطية" في الدول الإفريقية و أكد أن المساعدات الفرنسية ستكون من الآن فصاعدا مربوطة بذلك ، وكان هدف فرنسا من ذلك – و هو ما تم شرحه للحضور بوضوح تام – أن فرنسا لا يهمها أن تكون هناك ديمقراطية حقيقية ...!! إنما يهمها فقط أن تكون هناك "أشكال ديمقراطية" حتى لا تتحدث أمريكا بعد ذلك عن الديمقراطية. أي حتى لا تتخذ أمريكا الديمقراطية ذريعة للتدخل في الدول الإفريقية التي كانت منطقة للنفوذ الفرنسي.
ينضاف إلي ذلك بعض الهزات التي شهدتها دول الجوار... ففي الجزائر تحرك الطلاب في انتفاضة عارمة أزاحت الديكتاتورية و فرضت مستوي من الديمقراطية و كان ذلك سنة واحدة قبل قمة "لابال " و في مالي حدث نفس الشيء مع " موسى أتراوري " و ليس السنغال عن ذلك ببعيد ...موريتانيا من جانبها لم تكن تشعر بالسعادة اتجاه ما يحدث قرب الحدود هنا و هناك فضلا عن ما يختمر و يتفاعل داخل الحدود .
المطلب الثاني: العوامل الداخلية
إذا كانت العوامل الخارجية لها الدور الأول في عملية التحول الديمقراطي و الانفتاح السياسي في موريتانيا – بسبب التبعية السياسية و عدم الاستقلال في اتخاذ القرار في أمر بحجم التعددية السياسية و الانفتاح الديمقراطي – فإن العوامل الداخلية تبقي لها أهميتها و دورها هي الأخري .
و إذا كان النظام يري أن الأمر تطورا عاديا و نتاجا طبيعيا لمشروع متدرج بدأه غداة تسلمه للحكم إثر الانقلاب العسكري بتاريخ 12/12/1984 م في حركة أعلن أنها تصحيحية و أن هدفها بعث الديمقراطية المفقودة ...و تواصل المشروع عبر خطوات متدرجة ، فكانت الانتخابات البلدية في عواصم الولايات سنة 1986 م ثم في المقاطعان عام 1987م ثم بعد ذلك في البلديات الريفية ثم انفتاح ديمقراطي كامل و إعلان عن التعددية السياسية ..إذا كان النظام يري ذلك من وجهة نظره فإن هناك وجهة نظر أخري تري أن هناك جملة من العوامل كان من أهمها:
· أن سجل النظام غير المشرف في مجال حقوق الإنسان، خاصة بعد أحداث 1990 و 1991 م و الغموض الذي اكتنف اعتقال و اغتيال ما يزيد علي 500 جندي زنجي في مختلف الثكنات العسكرية، فكان بحاجة إلي أن يأرشف هذا الملف بدل جعله علي الطاولة.
· إخراج الحركات السياسية من خنادقها السرية إلي الواجهة ، لمعرفة حجمها الحقيقي و تسهيل مراقبتها.
· الأزمة الاقتصادية الخانقة التي خلفها انقطاع الدعم الخليجي، بعد وقوف النظام إلي جانب العراق أثناء حرب الخليج بداية 1991 م.
· موازاة مع ذلك كان الجيش يشهد حالة من التململ و عدم الاستقرار، يشهد لذلك كثرة المحاولات الانقلابية التي قيم بها في تلك الفترة ،و التي كان النظام إزائها يقظا للغاية،
و هكذا بعد الإعلان عن بداية الانفتاح الديمقراطي تغلب النظام علي جملة من تلك المصاعب ، خلال السنوات الثلاثة التالية لهذا الإعلان و التي اعتبرت ر بيع الديمقراطية الموريتانية من حيث احترام الحقوق و الحريات العامة ، وبعد ذلك مباشرة بدأ العد التنازلي في مسيرة الحقوق و الحريات مما جعل البعض يعتبر أن سنة 1994 م كانت حدا فاصلا بين مرحلتين من مراحل الديمقراطية الموريتانية وقد بدأت المرحلة الثانية التي شهدت تراجعا خطيرا في مسيرة الحريات العامة باعتقال الإسلاميين سبتمبر 1994م و استمرت بعد ذلك الإعتقالات السياسية في كل سنة تقريبا حتى سنة 2004 م ،
و الخلاصة أن هناك حقيقة يجب الانطلاق منها و هي أن أية ديمقراطية جادة لا بد لها من إرادة سياسية من السلطة الحاكمة ، للتخلي عن الحكم للشعب ، و من إرادة شعبية بالتحرر و الانعتاق و ظرف دولي مساعد علي سيادة الحق و العدل و الإنصاف و هذه الشروط غير متوفرة للانفتاح الديمقراطي في موريتانيا، فالرئيس ولد الطايع لم يبدأ ديمقراطيته خوفا من شعب ثائر كما فعل الشاذلي بن جديد أو تخوفا من واجبات السلطة و تبعاتها كما فعل سوار الذهب أو نزاهة واعترافا بالفشل كما فعل عبدو ديوف ...وإنما بدأها تأمينا لعرشه المتصدع من خلال توسيع دائرة المحكوم بهم و أية ديمقراطية كذلك لن يكتب لها التطور و الاستمرار و لن تحترم فيها الحقوق و الحريات العامة .
المبحث الثاني: ضعف الوعي السياسي لدي الرأي العام
نظرا لحداثة نشأة المؤسسات الدستورية في موريتانيا و التي تعتبر نتيجة طبيعة لحداثة نِشأة الدولة نفسها فإن الرأي العام في موريتانيا ليست له خبرة سياسية، فموريتانيا التي حصلت علي استقلالها في بداية الستينات من القرن الماضي و بالتحديد سنة 1960 م لم تعرف تجربة سياسية منظمة قبل ذلك بل كانت تسمي البلاد السائبة وعليه فإن الوعي السياسي لدي الغالبية العظمي من الشعب يعد ضعيفا إن لم يكن معدوما، وبالتالي فإن ثقافة الحقوق و الحريات لم تنتشر في صفوف الشعب الموريتاني ولم تتسع دائرة المطالبة بها، وقد ساهمت في ذلك جملة من العوامل من أهمها ارتفاع نسبة الأمية في صفوفه و غياب التربية المدنية مع حداثة مؤسسات التعليم العالي و غياب مفهوم الدولة من الذاكرة الجمعية و سيطرة العقلية البدوية بالإضافة إلى سوء الأوضاع الاقتصادية...
المطلب الأول: انتشار الأمية و غياب التربية المدنية
تعتبر موريتانيا من أكثر الدول من حيث ارتفاع نسبة الأمية بين المواطنين فيها، و تعني الأمية في أضيق معانيها العجز عن القراءة والكتابة وعن إجراء العمليات الحسابية البسيطة. غير أن المفهوم الواسع و الشامل للأمية يتجاوز ذلك ليشمل جميع أنواع التخلف خاصة غياب الثقافة السياسية، و معرفة الحقوق و الواجبات، و إذا كنا قادرين علي استيراد أرقي الأنظمة و أكثرها ديمقراطية فإننا غير قادرين علي استيراد الإنسان الذي يتمثلها و يحميها و هو ما يفرض بالضرورة خلق الإنسان المثقف الواعي بحقوقه وواجباته المناضل في سبيل تحقيق المصلحة العليا للوطن ومن هذا المنطلق تكمن أهمية الثقافة في بلورة الرأي العام وأنه لا قيمة لإعطاء حرية الرأي والتعبير لمن لا يستطيع التعبير عن رأيه بسبب الجهل أحرى أن يطالب بهذه الحرية و يدافع من أجل عدم المساس بها أو سلبها.
و لعل الخطوات التي اتخذتها الدولة في السنوات القليلة الماضية – مثل إلزامية التعليم و الحملات "الكبرى" لمحو الأمية- و التي تم تسخير أجهزة الإعلام الرسمية لها و أصبحت شغلها الشاغل لعل في تلك الخطوات ما يكشف لنا عن إحساس الدولة بهذه الحقيقة المرة. إلا أن تلك الخطوات لم تؤدي إلي نتيجة تذكر بسبب طابعها الدعائي، و عدم وجود رؤية استراتيجية للقضاء علي هذه الظاهرة الخطيرة، التي يجب أن يكون القضاء عليها من أولى الأولويات في هذه المرحلة، كما أن مستوى التعليم الموجود يعد ضعيفا ويعاني الكثير من المشاكل حالت دون تحقيقه للأهداف المرجوة منه في نشر الوعي وتحقيق مستوى من الثقافة خاصة في مستواه الجامعي حيث لا يوجد سوى مشروع جامعة واحدة تتألف من ثلاث كليات و لا يوجد بها إلى الآن – نهاية السنة الدراسية 2004 – سلك ثالث كما أن نشأة هذه الجامعة تعد حديثة نسبيا إذ تعود إلى بداية الثمانينات، و إلي جانب المشاكل السابقة، هناك غياب التربية المدنية التي تؤدي إلي ارتفاع نسبة الوعي المدني و انتشار ثقافة الحقوق والحريات العامة و اتساع دائرة المطالبة بها، و بعبارة أخرى معرفة الحقوق و الواجبات التي تعد نقطة البداية في عملية المطالبة بها و الوقوف في وجه كل من يحاول المساس بها و الكفاح عنها بكل الوسائل السلمية المتاحة ، فمادام الناس لا يعرفون حقوقهم وحرياتهم و لا يعرفون قيمة التمتع بها فيشعروا بسلبيات فقدانها في حالة سلبها، و ماداموا لا يملكون ثقافة كافية عن هذه الحريات، فمن السهل أن تعمد السلطة إلي سلب هذه الحقوق والحريات.
المطلب الثاني: الخلط بين مفهوم الدولة و السلطة
لا بد لأية أمة أو شعب يريد أن يستمتع بحقوقه و حرياته العامة، أن يكون علي وعي بحقيقة السلطة وأنها مجرد أداة لخدمة المواطنين و ليس العكس، و لهذا دخل أبو مسلم الخولاني علي معاوية بن أبي سفيان – رضي الله عنه – فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقالوا: مه، فقال معاوية: دعوه فهو أعرف بما يقول ، و عليك السلام يا أبا مسلم ثم وعظه و حضه علي العدل.... ولم يكن ذلك التابعي اليماني الزاهد - و هو يستعمل لفظ الأجير - متلاعبا بألفاظه أو متطاولا على قائده وإنما كان منطلقا من التصور الإسلامي الحق لمنزلة الحاكم و علاقته بالأمة
ونفس التصور كرسته الديمقراطية الحديثة إذ جعلت السلطة وسيلة لخدمة الشعب تسعي إلي مرضاته و تحترم له حقوقه و حرياته و توفر له من الوسائل ما يحافظ به علي تلك الحقوق و الحريات مثل القضاء المستقل و وسائل الإعلام الحرة...الخ. أما واقع الشعب الموريتاني فلم يستوعب تلك الحقيقة المقررة إسلاميا، و المعمول بها ديمقراطيا و مازالت في ذهنه صورة للسلطة باعتبارها شيئا مقدسا معتبرا أنها هي الدولة وأنه يستحيل مطالبتها بالحقوق و الحريات و أن أي ممارسة إيجابية من السلطة في هذا المجال تعد هبة ومنحة منها، يجب أن تحمد لها و تشكر عليها ، و أي ممارسة سلبية شئ طبيعي من الدولة ، و لا يمكن الوقوف في وجهها " لا تسأل عما تفعل و هم يسألون !". و الذي يعيش علي هذا الخلط ويعتبر ما أعطيه من حقوق و حريات هبة ومنحة وما سلبه فذلك هو الأصل، لا أمل له بالتمتع بتلك الحقوق و الحريات، إذ من المسلم به أن الحقوق لا تعطي و إنما تنتزع و لو بالمطالبة، "و ما ضاع حق وراءه مطالب".
و لهذا لا غرابة إذا علمنا أن غالبية الشعب الموريتاني ليس لهم علم بالمحاكم و الغرف الإدارية المختصة بالنظر في الدعاوى ضد أعمال الإدارة سواء بالإلغاء أو التعويض و التي يعاني قضاتها فراغا كبيرا لقلة الدعاوى المقدمة إليهم ...!!!.
كما ينضاف إلي الخلط السابق بين مفهومي الدولة والسلطة ، العقلية البدوية المسيطرة علي الشعب الموريتاني و المتمثلة في اعتبار المطالبة بالحقوق ، منقصة يجب علي الإنسان الابتعاد عنها ، و لهذا نجد أنه يضيق عليه في معيشته يوما بعد يوم بسبب ارتفاع الأسعار و التطفيف في الموازين خاصة مادة " الخبز " - التي تعتبر شيئا مقدسا عند الشعوب الحية -، و مع ذلك لا يحرك ساكنا
و لا يتكلم أحد و إنما يسكت الجميع و يصبرون علي التطفيف و الجوع ، رغم أن رفع سعر هذه المادة و غيرها من المواد الأساسية في أي بلد من بلدان العالم لا يمكن أن يمر دون حدوث ثورات شعبية و إضرابات عمالية ، و لذلك تحسب له السلطة و رجال الأعمال ألف حساب قبل أن يقدموا عليه.
كما تشكل الأوضاع الاقتصادية الصعبة عائقا آخر لا يقل أهمية عن سابقيه فالمواطن الذي يعيش علي هاجس الخوف من الجوع والمرض لن يهتم بالشأن العام وحريات المواطنين حتى و لو عرفها و فهمها ، مما قد يؤدي به في النهاية إلي المتاجرة بمواقفه و حقوقه السياسية و حرياته العامة بدل أن يطالب بحقوق و حريات الآخرين . إن تدني دخل الفرد و ارتفاع نسب البطالة و الفقر بين المواطنين بالإضافة إلي الحرمان و الإحساس بالغبن و انحصار الدورة الاقتصادية في البلد بين الدولة و كبار رجال الأعمال و جشع هؤلاء و سعيهم لامتلاك كل شئ في البلد دون أن يوفوا بالتزاماتهم... كلها مظاهر لأزمة اقتصادية تجعل من الممارسة السياسية في موريتانيا مسألة ترفيهية يقوم بها القادرون فقط .
و الخلاصة أن ضعف الوعي السياسي و المستوي المعيشي لدي الشعب الموريتاني يعتبران من أهم أسباب الفجوة بين التقنين و الممارسة في مجال الحريات العامة ، فمادام الناس لم يعرفوا هذه الحقوق و الحريات أو انشغلوا عنها بالبحث عن لقمة العيش ، فمن السهل أن تنتزع منهم تلك الحقوق و الحريات و من السهل كذلك أن يسكتوا علي ذلك .
المبحث الثالث: واقع النخبة السياسية ودورها
نعني بالنخبة السياسية أولئك الذين يمارسون السياسة؛ سواء كانوا في المعارضة أو في الحزب الحاكم، أو مستقلين، فكل أولئك معنيون بمسألة الحريات العامة وحمايتها والذود عنها، ولعله من المهم في البداية التنبيه إلى أن هؤلاء جزء من المجتمع، وإفراز من إفرازاته؛ وبالتالي لا شك أنهم يشتركون معه في بعض الصفات والخصائص التي يتميز بها، والتي ذكرنا بعضها في المبحث السابق، زد على ذلك ضعف خبرتهم ونقص رصيدهم السياسي، وقصر تجربتهم ... فالقيادة السياسية في البلاد لا تملك ثقافة سياسية ديمقراطية تمكنها من التعايش والتعامل مع القوى السياسية الأخرى بشكل إيجابي يخدم مستقبل البلاد ويعزز الثقة بين مختلف أطراف العمل السياسي، فلا زالت هذه القيادة تحتفظ بذاكرة استثنائية تميل إلى معاداة كل من يتبنى موقف المعارضة، بل إنها تعمل على إغرائه بالتعيين أو الضغط عن طريق المجموعات القبلية، أو التهديد بالعزل والتهميش.
وهكذا فإن التوجه السياسي القائم لا يحترم حق الاختلاف الذي يعتبر سنة كونية ومبدأ ديمقراطيا.
ويبدو أن هذه السياسة نجحت إلى حد ما مع عدد كبير من النخبة السياسية التي كانت في يوم من الأيام معارضة، تناضل من أجل الديمقراطية و احترام الحقوق و الحريات العامة و سيادة القانون، كما أنهم أو بعضا منهم أصبح يعاني من نوع جديد من الأمية ليس الذي عهده البعض من عدم القدرة علي القراءة و الكتابة، يتمثل في إعادة صياغة عقول هؤلاء بحيث ينسون معرفتهم و ثقافتهم ونضالهم السياسي التاريخي، فكم رأينا من شخصيات كانت مثالا في النضال السياسي و تعرضت للسجون و التضييق في سبيل ذلك، ثم أصبحوا يبررون الكبت وانتهاك الحريات العامة و مخالفة القانون، مما أفقد الرأي العام ثقته بالنخبة السياسية، وجره إلى اليأس من التغيير،فلم يعد بإمكانه أن يثق بأي كان، فهناك شريحة من النخبة السياسية قد باعت الضمير بالمنصب والفاتورة المغلظة، وهي اليوم بطانة للدكتاتورية الحاكمة.
هذه المجموعات التي قلبت للشعب ظهر المجن قد تسببت في إحباط عام لدى المواطن فشككته في صدق كل من يدعوا إلى الإصلاح.[15]
أما الشريحة التي مازالت صامدة في المعارضة فإنها تعاني هي الأخرى الكثير من المشاكل لعل من أهمها: الغثائية المسيطرة على المعارضة والعجز عن توحيد المواقف والسياسات وغياب الاستراتيجيات النضالية التي تسعى للحفاظ على المكاسب في مجال هامش الحريات العامة المتاح، والسعي لتوسيعه بكل الوسائل النضالية المتاحة، كما أن غياب إعلام حزبي يضغط ويكشف ويوجه ويثقف المواطنين يحد من دور النخبة السياسية.
إن من أوضح مظاهر الغثائية التي ذكرنا سابقا: كثرة عدد الأحزاب السياسية؛ إذ تبلغ 28 حزبا سياسيا مع العلم أن عدد السكان لم يصل بعد إلى 3 ملايين نسمة، في حين لا يصل عدد الأحزاب السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية عدد أصابع اليد الواحدة، ينضاف إلى ما سبق عجز هذه الأحزاب عن التنسيق فيما بينها، حتى أنها لم تستطع أن تتفق على مرشح واحد لأي من الانتخابات الرئاسية التي أجريت حتى الآن 3 مرات؛ مما أضعفها، وأفقدها ثقة الشعب، زد على ذلك ضعف ردة الفعل من طرف الفاعلين في المعارضة وفي مؤسسات المجتمع المدني ككل على انتهاك الحريات العامة، فكثيرا ما يسكت السياسيون أو يتكلمون بضعف، أو لا يستمرون في الرفض والاستنكار، مما يشجع السلطة على المزيد من انتهاك الحقوق والحريات العامة.
الخاتمة
على النظام الموريتاني أن يبني "شرعية سياسية على غير القوة والإكراه، فلا خير في سلطة تستمد شرعيتها من القوة حصرا..."
محمد ولد المختار الشنقيطي
قد لا يكون صعبا في تصور البعض أن يقرر الإنسان أن يبحث في موضوع ما خاصة إذا توفرت له معطياته وتراءت له أفكاره ومعلوماته وقد لا يكون صعبا كذلك الحكم على هذا العمل بالرداءة أو الجودة سواء من طرف معده ومنسقه أو ممن رآه وقد اجتمع واكتمل واستوى على سوقه ، إنما الصعوبة في نظري تكمن في نقطتين أساسيتين :
الأولى: كيفية الاختيار بين المعلومات والأفكار الواردة في الموضوع وحتى بين المراجع والتنسيق بين هذه المعلومات والعدل بينها والموضوعية عند عرضها.
الثانية: حين تقرر أن تستخلص النتائج التي حصلت عليها وهي لا شك كثيرة وتكتبها في خاتمة يتنازعك فيها ضرورة الاختصار ومنهجية العرض وتقديم الأهم على المهم مع العجلة إلى الفراغ من البحث والاستراحة منه.
ومع أن النتائج التي توصلت إليها من هذا البحث قد لا تكون بتلك الكثرة التي تتوقع على الأقل من النظر إلى حجمه فإني لن أستطيع عرضها في هذه العجالة، بل سأقتصر على أهمها وأولاها:
· إن الدستور الموريتاني لسنة 1991 أقر مجموعة من الحقوق و الحريات من خلال النص عليها في الديباجة و المتن، كما أعلن تمسكه بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان و الإعلان الإفريقي لحقوق الإنسان و الشعوب، مما يعكس رغبة المشرع الموريتاني في مسايرة الوضع الدولي، الذي أصبحت فيه مسألة احترام حقوق الإنسان و الحريات العامة من أهم وسائل الضغط علي الدول الضعيفة من قبل الدول القوية، كما يدل ذلك علي رغبته في أن يظهر بمظهر الدولة الديمقراطية التي تحترم الحقوق و الحريات و تحميها دستوريا وتشريعيا.
· إن الضمانات المقررة دستوريا لم ترقي إلي المستوي الديمقراطي المتعارف عليه و تستوي في ذلك الضمانات السياسية والقانونية، فالفصل بين السلطات مختل لصالح السلطة التنفيذية، والرقابة القضائية علي أعمال الحكومة إما معدومة أو ضعيفة، و في العموم لم تشكل قيدا حقيقيا علي ممارسة السلطة، كما أن دور الأحزاب السياسية والرأي العام في هذا المجال كان ضعيفا إن لم يكن معدوما، ومن المعروف" أن العبرة في مجال الحقوق و الحريات ليست في النص القانوني وحده... و إنما تكمن في ؤجود قضاء نزيه تكون قراراته ملزمة للجميع بدون استثناء".
· إن القوانين المنظمة للحريات العامة لم تكن علي المستوي الديمقراطي الجاد ،ففي الوقت الذي يعتبر فيه تشكيل حزب سياسي أو جمعية سياسية أو نقابية أو إصدار صحيفة مستقلة حقوق دستورية طبيعية لا تحتاج إلي أذن مسبق "في أي ديمقراطية جادة" تفرض فيه هذه التشريعات العديد من الشروط والإجراءات التي تشكل قيدا علي ممارسة هذه الحريات الطبيعية، خاصة إذا كانت السلطة التنفيذية لا ترغب في ممارستها ، و الأصل أن يكون التصريح و الترخيص من اختصاص هيئة قضائية مستقلة، لا من اختصاص السلطة التنفيذية.
· إنه وحتى مع وجود هذا القصور في التشريعات و القوانين فإن هناك فجوة كبيرة بينها وبين الممارسة العملية لهذه الحريات، و الواقع أن المشكل لا يكمن في التقنين، إذ لا يشكل وجود قوانين تحمي الحقوق و الحريات إلا نسبة ضئيلة، مقابل إرادة السلطة التنفيذية في احترام هذه القوانين، فالإرادة السياسية للسلطة في احترام الحريات العامة هي الضامن الأول لها، و وجود قوانين و تشريعات شئ مساعد ومكمل، و بانتفاء الإرادة السياسية، تبقي النصوص مجرد قواعد قانونية لا تسمن ولا تغني.
· إن الشعب الموريتاني و نخبه السياسية والثقافية لم تصل بعد إلي درجة الوعي السياسي و المدني الذي يمكنه من معرفة حقوقه وحرياته ، و كيفية الوصول إليها و انتزاعها إذا اقتضى الأمر ذلك و المحافظة عليها و التضحية في سبيلها ...
· إن الديمقراطية قيم و مبادئ تحترم، وسلوك يتبع... و ليست إعلانات و شعارات ترفع و أنها حقائق و جواهر... و ليست أشكال و مظاهر ...
و مادامت هذه القيم والمبادئ لم تتجسد حقائقها في تعامل النخبة السياسية و الممارسين للسلطة فيما بينهم فلن تكون هناك ديمقراطية حقيقية ...
· إن علي الشعب الموريتاني أن يعرف أن الحقوق لا تعطي و لا تمنح ، و أن " الشعوب التي لا تدفع ثمن الحرية تدفع ثمن الاستبداد ..." و أن عليه أن يتسلح بمستوي من الوعي المدني و الثقافة السياسية التي تدفع إلي المطالبة بالحقوق و الحريات ...كما أن علي النخبة السياسية أن تتحمل مسؤوليتها في ذلك ...
· إن علي الفاعلين السياسيين في هذا البلد، بجميع مكوناتهم سواء كانوا في السلطة أو في المعارضة أن يغيروا عقلياتهم في التعامل فيما بينهم و أن يسعوا إلي استبدال التفكير الأحادي الإقصائي بتفكير تشاركي " يؤمن بالحوار و التفاعل الإيجابي " في سبيل سيادة القيم الديمقراطية و التداول السلمي علي السلطة و ممارستها و فق " معايير أخلاقية " و في "إطار من المشروعية" يضمن للجميع حقوقهم و حرياتهم ...
· إن علي السلطة أن تأخذ العبرة من دول الجوار و تفتح الباب أمام التداول السلمي علي السلطة وأن تحترم قواعد الانفتاح الديمقراطي... وعليها أن تعتبر بسقوط الديكتاتوريات العظمي... وتسعي إلي تجنيب شعبها المآسي التي حلت بشعوبها و تجنب نفسها المصير الذي آلت إليه الأمور فيها...
و أول خطوة في هذا الاتجاه تكون بمصالحة حقيقية مع الشعب و من أجل ذلك "فلا بد أن يمنح الناس حقوقهم وحرياتهم و تحفظ لهم كرامتهم الفردية وحقوقهم وحرياتهم الجماعية" "لأن حركة التاريخ الآن تدفع إلي الحرية و التعددية..."
فهل تعي السلطة ذلك وتتكيف معه بمرونة ويسر ...أم أنها ستضع السدود و الحواجز أمامه حتى يندفع تيارا جارفا يحطم كل شئ ... !!؟